صطفى ملو
الحركة الأمازيغية لمن لا يعرفها
"إن زمن الشجاعة الجسمانية قد ولى وجاء زمن الشجاعة الفكرية" محمد شفيق.
"أريد أن تهب رياح ثقافات كل العالم بباب بيتي,لكن لا أريد أن تذهب بثقافتي" غاندي.
*تعريف الحركة الأمازيغية
تعرف الحركة الأمازيغية على أنها"مجموع الفعاليات التي تساهم اعتمادا على وعي عصري وبكيفية فردية أو جماعية وبشكل مباشر أو غير مباشر في الدفاع عن الأمازيغية أو إنماء إحدى مكوناتها من لغة وحضارة وهوية،مع الدفع بكافة مكونات المجتمع لتنخرط بدورها في تلك العملية الإنمائية. وتقوم بوظيفتها هاته بواسطة مجموعة من المواقف أو الأفعال ذات الطبيعة الرمزية أو المادية تتسم بنوع من الاستمرار وهي تتميز بتراكماتها الفكرية والنضالية كحركة تاريخية ومجتمعية ، وتتكون من عدة إطارات وتنظيمات مؤسساتية وجمعوية ومكونات مجتمعية ومكون طلابي وحركة تلاميذية وغيرها."لكن هذا التعريف ينطوي على إشكاليتين:
-الأولى أن الذين ناضلوا وحاربوا وقاوموا من أجل الأرض والإنسان الأمازيغيين يقصيهم هذا التعريف لأنه يتحدث عن وعي عصري,في مقابل وعي تقليدي يمكن أن يمثله هؤلاء,سواء تعلق الأمر بالمقاومين الأمازيغ القدامى من ماسينيسا ويوكرتن وتهيا ودوناتوس…أو بالمحاربين المحدثين من محمد بن ع الكريم الخطابي,عسو وبسلام,زايد أوحماد…
-الثانية أن كل الانتهازيين الاستغلاليين الذين كانوا إلى حدود الأمس القريب ألذ أعداء الأمازيغ والأمازيغية,والذين حاولوا جهد أيمانهم القضاء عليها,ثم أصبحوا بقدرة قادر يدافعون عنها لغايات غير نبيلة وغير شريفة,بل لأهداف سياسوية بغيضة,هؤلاء لا يستثنيهم هذا التعريف من الحركة الأمازيغية,ولا يفرق بين المناضل الشريف,والمستغل الانتهازي والوصولي,الذي يتخذ الأمازيغية فرسا للسباق نحو الفوز بالانتخابات واستمالة الناخبين .
*الخطاب والمرجعية الفكرية
من حيث الخطاب تعرف الحركة الأمازيغية على أنها حركة ذات خطاب تقدمي،حداثي،ديمقراطي،عقلاني نسبي, علمي وعلماني,وهذه ليست نعوتا عنترية أو أمداحا فضفاضة,بل هي أوصاف تتجسد في تحركات وخطابات الحركة الأمازيغية كما سيأتي التفصيل في ذلك,فهي أولا وقبل كل شيء بنت هذه التربة,ليست شرقية ولا غربية,لذا فهي تنطلق في مرجعيتها الفكرية من الواقع الملموس وليس من بيئة أو واقع بعيد عن هذا الوطن,كما يعتبر التاريخ والجغرافية و الأنتربولوجيا واللسانيات أحد منطلقاتها الفكرية,وهي كذلك تستفيد من عصارة الفكر البشري,خاصة فكر الأنوار,المبني على احترام إنسانية الإنسان وحريته في التعبير والعقيدة,والحق في الاختلاف,وغيرها من الحقوق التي تجمع عليها كل المواثيق الدولية والأديان السماوية,وكل هذا جعلها تفرض نفسها وصوتها في المحافل والمنظمات الدولية قبل الوطنية,وتجعل كل الديمقراطيين في العالم يتضامنون مع مطالبها المشروعة والعادلة والتي لا ينكرها إلا جاحد أو مضلل أو متعامي عن قول الحق.
إن ما يهمنا هنا ليس هو تعريف الحركة الأمازيغية لغة واصطلاحا ولا الدخول في متاهات فلسفية ليست هي موضوعنا,لأن الأبحاث والكتابات في ذلك كثيرة وغزيرة لمن أراد الرجوع إليها,لكن حسبنا أن نجعل هذا التعريف البسيط،تمهيدا للدخول إلى ما هو أهم,ففي نظرنا,فإن هذا التعريف الكلاسيكي لا يكفي للإجابة عن سؤال ما هي الحركة الأمازيغية,ولكن الكفيل بالإجابة عن هذا الموضوع هو:هل تمتلك الحركة الأمازيغية برنامجا أو مشروعا سياسيا واقتصاديا و اجتماعيا وثقافيا؟
الجواب عن هذا السؤال لا يحتمل كذلك تلك الكلمتين الكلاسيكيتين؛نعم/ لا,بل يقتضي التطرق إلى خطاب الحركة الأمازيغية ومطالبها,و منطلقاتها للإجابة عنه,إذ أن كثيرا من أشباه الكتاب والمثقفين لم يسبق لهم ربما أن اطلعوا على خطاب هذه الحركة,بل إن شيئا من ذلك لا يهمهم,كل همهم هو توجيه سهامهم الجارحة لها,وممارسة التضليل والكذب و تجييش العواطف, إذا انتقدوا انتقدوا الأشخاص و سلوكاتهم,لا أفكارهم ومبادئهم,جاهلين أن العقول الصغيرة هي التي تناقش الأشخاص,لا ينتقدون بهدف التصحيح وإعطاء البدائل,بل ينتقدون من أجل النقد ويختلفون من أجل الاختلاف,ويأتون بجرة قلم لينفثوا سمومهم ويصفوا هذه الحركة بالعنصرية,و الإلحاد,والرجعية…هذه الحركة التي أنتجها مفكرون و لسانيون وأدباء بصموا أسماؤهم ببصمات من ذهب من أمثال قيدوم الحركة الأمازيغية الأستاذ أحمد شفيق الذي قدم للعربية نفسها ما لم يقدمه لها بعض أبنائها الأقحاح,والحائز على أفخم الجوائز التي تمنحها هولندا للمفكرين والأدباء وهي جائزة الأمير كلاوس,في حين لم ينل من بلاده سوى السباب والشتائم,ومولود معمري,والطاهر جاعوط,وكاتب ياسين,ومولود فرعون,وعلي صدقي أزايكو,وقاضي قدور,و بوجمعة الهباز وسعيد سيفاو…الذين دفعوا حياتهم ثمنا لمبادئهم وقضيتهم العادلة.إن الحركة الأمازيغية لا تتهرب من النقاش الجاد و المسؤول,و لا من المقارعة الفكرية البناءة وليس الهدامة لأنها تمتلك من الفكر والمفكرين ما يجعلها قادرة على المجابهة والمواجهة الفكرية,والحركة الأمازيغية ليست شيئا مقدسا غير قابل للنقد والتصحيح,لا بل هي حركة تصحيحية نقدية في حد ذاتها,كما أنها ليست منزهة من الخطأ والزلل,و هذه كلها مقومات و مباديء تحصنها من كيد الكائدين وتكالب الأعداء المضللين.
*المشروع السياسي للحركة الأمازيغية
يعتقد البعض بأن الحركة الأمازيغية حركة ثقافية وفقط,زاعمين أن الثقافة تنحصر فقط في اللغة والعادات والتقاليد والأغاني والفلكلور,وهم بذلك يجهلون أو يتجاهلون المعنى الأعم و الأشمل للثقافة بما هي لغة وعادات وتقاليد ومعتقدات وطقوس دينية وفنون وصناعة ونظم سياسية وكل ما ينتجه الإنسان باحتكاكه مع الطبيعة,وحتى لو أسلمنا بأن البدايات الأولى للحركة الأمازيغية كانت ذات طبيعة ثقافية(بالمعنى الضيق للثقافة كما يحلو للمضللين),فإنها لم تبق كذلك,بل تطورت وتجددت وتحولت من ثقافية إلى سياسية واقتصادية واجتماعية,وأصبح لها مشروع ومطالب سياسية جريئة وشجاعة كان لها السبق في رفعها,في وقت تواطأ فيه المتواطئون وخان فيه الخائنون,فيكفي القول مثلا لا حصرا بأن الحركة الأمازيغية هي أول من تجرأت وطالبت بإسقاط الفصل 19 في وقت كان فيه مجرد الحديث عن هذا الفصل يقود إلى التعذيب والتنكيل,إذ اعتبرت هذه الحركة أن هذا الفصل لا يتماشى والدولة الديمقراطية الحديثة,التي يعتبر فيها الحاكم خادما للشعب وليس سيدا عليه مستفيدة من فكر ج ج روسو,وفولتير,ومونتسيكيو وغيرهم من فلاسفة الأنوار الذين أرسوا قواعد الدولة الديمقراطية الحديثة,وشكلت نظرياتهم مصدر إلهام وتشريع قوانين أغلب الدول الديمقراطية,بل قبل هذا وذاك استفادت الحركة الأمازيغية من التاريخ الأمازيغي وبنية المجتمع الأمازيغي الذي لم يعرف عنه تقديس الحكام،وإنما احترامهم وتقديرهم في حالة أدائهم لواجبهم على ما يرام والثورة عليهم وتقديمهم للمحاكمة في حالة إخلالهم بذلك .من الناحية السياسية دائما طالبت الحركة الأمازيغية بدولة علمانية مدنية قائمة على المواطنة وعقد الاجتماع وفصل السلط وليس دولة دينية تعتبر الإسلام دينها الرسمي,لأن من شأن ذلك أن يقصي الآلاف من المسيحيين واليهود المعتزين بمغربيتهم والذين استوطنوا هذه الأرض لآلاف السنين،وساهموا في إشعاعها الثقافي والاقتصادي والسياسي والعلمي, واستنبطت الحركة الأمازيغية مبدأ العلمانية وفصل السلط من بنية المجتمع الأمازيغي الذي كانت تفصل فيه السلطتين الدينية والتي يتولاها الفقيه عن السلطة الدنيوية التشريعية التي تتولاها "لجماعت",وسلطة تنفيذية تتكلف بها المحاكم العرفية,كما استفادت من المبدأ العلماني الدوناتي نسبة إلى القس الأمازيغي دوناتوس الذي ثار على الكنيسة والحكومة الرومانيتين,اللتان كانتا تستخدمان الدين لاضطهاد الأمازيغ و نهب أموالهم وثرواتهم تحت ذريعة تمويل أعمال الكنيسة,وبذلك تكون العلمانية مبدأ استورده الغرب من الأمازيغ منذ قديم الزمان وليس العكس كما قد يتخيل البعض, ويندرج ضمن نفس المطلب دائما أن الحركة الأمازيغية كانت هي الجريئة والسباقة في رفض قيام الدولة على أساس عرقي رفضا قاطعا,في إطار ما يسمى بالنسب الشريف وضد الامتيازات الممنوحة لمن يسمون بالشرفاء,لأن ذلك يعتبر ميزا عنصريا ضد بقية المواطنين وإخلالا بواجب المواطنة الذي هو أس كل دولة ديمقراطية حديثة,كما دعت الحركة الأمازيغية في إطار برنامجها السياسي بضرورة منح الحكم الذاتي لمجموعة من المناطق أسوة بأقاليم الصحراء,واعتبرت إعطاء هذا الحق السياسي والاقتصادي والثقافي لمناطق دون غيرها ميزا ضد هذه المناطق,مما من شأنه أن يهدد بالتفرقة والجنوح نحو الانفصال, وذلك عندما تحس هذه المناطق بأنها في درجة ثانية مقارنة مع مناطق تتمتع باستقلال ذاتي وبامتيازات تحرم هي منها,وتعتبر دسترة اللغة الأمازيغية كلغة رسمية وفرضها على جميع المغاربة,وتدريسها في مختلف الأسلاك التعليمية وفي جميع مناطق المغرب مطلبا سياسيا وثقافيا مهما في نفس الوقت,سياسي من حيث أن الدسترة ستتم في وثيقة سياسية وهي الدستور,وثقافي من حيث اللغة هي إحدى أهم عناصر الثقافة والهوية الثقافية,وطالبت وتطالب الحركة الأمازيغية بعدم الإفلات من العقاب والمحاسبة للمخلين بواجبهم والمفسدين,وبتقليص أجور كبار الموظفين من الوزراء وكتاب الدولة,والنواب .
هذه فقط بعض الأمثلة من المطالب السياسية التي رفعتها الحركة الأمازيغية وأعطت من أجلها التضحيات الجسام من اعتقالات واختطافات واستشهادات منذ مدة طويلة من الزمن والتي أصبحت هي مطالب الكثيرين الذين لم يتجرؤوا فيما مضى في البوح بها وإعلانها,وهم ثلة من المصانعين,المجاملين والمنافقين,الذين يتلاعبون بالألفاظ معتبرين أن مطالب الحركة الأمازيغية يجب أن تنحصر فيما هو ثقافي,وهذا ينم عن جهلهم بمعنى الثقافة,وينم كذلك عن أسلوبهم الشيطاني الذي يرمي إلى إبعاد الأمازيغ عن كل ما هو سياسي,وكأن الأمازيغ ليس من حقهم أن تكون لهم مطالب سياسية,ولا ممارسة السياسة,وكأن الأمازيغ لم تكن لهم أنظمة سياسية تنظم حياتهم, وكأنهم لا يفهمون شيئا في السياسة,وأن كل ما عليهم هو الإذعان لما يخططه لهم أسيادهم الضالعون في السياسة!
*المشروع الاقتصادي والاجتماعي للحركة الأمازيغية
يعيب بعض "الخبزيين" ممن لا يفكرون سوى ببطونهم على الحركة الأمازيغية ما يصفونه بكونها لا تهتم سوى بما هو ثقافي متجاهلة الحقوق المادية والاقتصادية,وهؤلاء كما قلنا سابقا ينطلقون من فهم ضيق للثقافة,ولا يتعاملون معها في مفهومها الشامل,بما يعني النظم السياسية والاقتصادية ووسائل الإنتاج التي ابتكرها الإنسان في تعامله وصراعه مع الطبيعة,إذ أن الرأسمالية قبل أن تكون نظاما اقتصاديا فهي نمط ثقافي أملته ظروف ما,ونفس الشيء بالنسبة للاشتراكية و الليبيرالية وغيرها,والأهم من هذا أن أصحاب هذا الفكر كما قلنا لا يهمهم شيء من الخطاب الأمازيغي،منهم من لا يكلف نفسه حتى عناء البحث والتحليل لهذا الخطاب الذي يعتبر الثلاثي؛الأرض/أكال،والإنسان/أفكان،واللغة/أوال قواعده وأركانه,فالخطاب الأمازيغي يعتبر أن الأرض بدون إنسان لا قيمة لها والإنسان بلا أرض ولا وطن لا يساوي شيئا,كما أن هذا الإنسان بدون لغة لا يعني شيئا,وبالتالي يتضح مدى تلازم هذا الثلاثي إلى حد لا يمكن فيه الفصل بين أي مكون من مكوناته,وما يهمنا هنا هو الرد على الخبزيين بالقول؛إذا كنتم أنتم تناضلون من أجل الخبز فالحركة الأمازيغية ناضلت ولا تزال من أجل الأرض التي تنبت ذلك الخبز.
يمكن القول إجمالا فيما يتعلق بالبرنامج الاقتصادي للحركة الأمازيغية أنه لا يخرج كثيرا عن برنامج بقية الحركات الاحتجاجية،فهي تدعو إلى محاربة الفقر والبطالة و الإقصاء،وتدعو إلى رفع التهميش عن جميع المناطق, و رفع الأجور بما يضمن العيش الكريم,وتحقيق العدالة الاجتماعية بين جميع مناطق المغرب دون ميز أو تمييز,والدخول في أوراش تنموية حقيقية وليس أوراشا وهمية ومزعومة,إلا أن ما يميز الحركة الأمازيغية في هذا الجانب هو كونها تطالب بوقف سياسة نزع أراضي الأهالي والتي تتم تحت مسميات شتى من قبيل إنشاء المحميات,وبناء مؤسسات الدولة كالثكنات العسكرية,كما نادت وتنادي بضرورة رفع التهميش والإقصاء الممنهج على مجموعة من المناطق على الخصوص,هذه المناطق المتمثلة أساسا في الريف ومنطقة الأطالس والجنوب الشرقي التي ورثت التهميش والإقصاء من الحقبة الاستعمارية و ما قبلها و التي كانت تصنفها ضمن دائرة ما يسمى بالمغرب "غير النافع",وذلك عقابا لها على تمردها ومقاومتها,حيث شكلت هذه المناطق الحصن الحصين للقوى الأمازيغية الممانعة و المستعصية على الخضوع,مما دافع بالمخزن كذلك إلى و صفها ب"بلاد السيبة",وتهميشها وإقصائها لخروجها عن طاعته ورفضها لنزواته,إذن فالحركة الأمازيغية تحاول جاهدة تصحيح تلك النظرة الإقصائية،التحقيرية لهذه المناطق التي تزخر بإمكانيات اقتصادية وثروات لا تتوفر حتى في ما كان يعرف بالمغر
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ